الجمعة, 05-يونيو-2020
خاص -
البيضاء، محافظة استراتيجية أهم من أن تُنسى

ماجد المذحجي

تغرق محافظة البيضاء عادة في منطقة النسيان، ورغم أنها منطقة استراتيجية شاسعة، لكنها غائبة عن الصدارة وقابعة في الهامش اليمني، حيث لا شيء مرئي سوى الفقر وانعدام الحيلة اللذين ازدادا سوءًا خلال الحرب. بشكل عام، لا تحظى هذه المحافظة بانتباه كبير من مراقبي الشأن اليمني إلا عندما يتعلق الأمر بالقاعدة. مؤخراً، برزت البيضاء كساحة رئيسية في المعركة بين الحوثيين وخصومهم، وكأنها أطلقت جهاز التنبيه بأهميتها لجميع الأطراف.

تحتل محافظة البيضاء موقعا جغرافيا بالغ الأهمية، حيث تشترك حدودها مع ثمان محافظات، هي شبوة والضالع وأبين ولحج من محافظات الجنوب اليمني، ومأرب وصنعاء وذمار وإِب من محافظات الشمال. هذا الموقع الاستراتيجي يجعلها تلعب دوراً حاسماً في تطورات الصراع اليمني الحالي بين الحوثيين والحكومة اليمنية.

بفضل قبضتهم العسكرية الثقيلة، استطاع الحوثيون عام 2015 تأمين سيطرتهم على هذه المحافظة على الرغم من المقاومة المحلية في بداية توجههم إليها، فلقد تمكنوا من إخمادها لأنها كانت متفرقة ولم تتلق أي دعم. وبعد فرض سيطرتهم على المحافظة، لم يواجه الحوثيون أي تهديد رئيسي داخلها لسنوات. اعتمد الحوثيون في البداية على تحالفهم مع حزب المؤتمر الشعبي العام والرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي تمتع بنفوذ كبير على القبائل هناك، ولاحقاً أبرموا صفقات تحت الإكراه مع قبائل المحافظة لتجنب خوض أي صراع مفتوح معها مقابل تركها تدير أمورها بنفسها.

تقوم استراتيجية جماعة الحوثيين في التعامل مع قبائل البيضاء على شقين: الأول تحشيد أنصارها من القبائل (وتحديداً الهاشميين، الذين ينسبون أنفسهم إلى النبي محمد كعائلة الحوثي)، والثاني تحييد القبائل غير الموالية لها. هذا الأمر يضمن وضع هذه الكتل القبلية غير الموالية لها في وضع غير معادٍ ويحرم الحكومة من دعمها، كما يمنح الحوثيين حرية الحركة داخل المحافظة والسيطرة عليها.

كان الاتفاق مع قبيلة “آل عواض” الكبيرة والمهمة والمعادية تقليديا للإمامة الزيدية، والتي يتحدر منها أحد أبرز مشايخ اليمن، الشيخ أحمد عبدربه العواضي إحدى أهم الصفقات التي أبرمها الحوثيون مع قبائل البيضاء. برز العواضي كأحد أكثر القيادات الكاريزمية في الحرب الأهلية اليمنية بعد ثورة 1962 التي أطاحت بحكم الإمامة الزيدية، وكان له دور حاسم في فك الحصار الذي فرضته القوات الملكية على صنعاء عام 1968.

كما توصل الحوثيون إلى اتفاق مع قبائل قيفة المقاتلة والشهيرة بسلوكها النافر من سيطرة السلطات، والتي خاضت صراعا دامٍ معهم في بداية الحرب. هذه المواجهة مع الحوثيين كانت مكلفة في الوقت الذي بدت فيه الحكومة غير مستعدة لتأمين الدعم اللازم لقبائل قيفة، إذ أنها لم تضع البيضاء بالأساس ضمن أولويات استراتيجيتها في مواجهة الحوثيين، ما دفع بقبائل قيفة إلى التوصل لتسوية مع الحوثيين في نهاية المطاف.

وعلى أهمية تحييد الحوثيين لقبائل قيفة بعد النزال الدامي معهم في البداية، إلا أن التحدي الآخر أمامهم كان التعامل مع قبيلة “آل عواض” عبر صفقة تهدئة. يمتد تواجد قبيلة “آل عواض” إلى مأرب وتحديدا في مديرية العبدية المحاذية للبيضاء. وفي حين حافظت الكتلة القبلية في مأرب على موقفها الصراعي مع الحوثيين، ظلت الكتلة القبلية في البيضاء محايدة وبعيدة عن الصراع. وينطبق الأمر نفسه على القبائل في مديريتي الملاجم والسوادية والتي لم ترد خوض صراع عديم الجدوى مع الحوثيين من دون أي ضمانات من الحكومة بتقديم دعم مستمر وغير مشروط، وبالتالي ظلت محايدة، كما ظل الوضع القبلي تحت السيطرة باستثناء قبيلة آل حميقان التي تشمل حضوراً سلفياً، إذ استمرت بمحاربة الحوثيين منذ اندلاع الحرب بناءً على أسس أيديولوجية.

من جهة أخرى، استطاع الحوثيون إدارة علاقة مثيرة للاهتمام مع تنظيم (داعش) الذي يتواجد في المحافظة ولديه مواقع فيها، إذ يبدو الأمر بينهما أشبه باتفاق ضمني بعدم الاعتداء على بعضهما البعض. وعلى الرغم من تعامل كل طرف بحذر مع الآخر، ظل الوضع مستقراً إذ ليس هناك أي معلومات أو تقارير عن استهداف داعش لمقاتلين حوثيين أو العكس. بالمقابل فقد استهدف تنظيم داعش الجيش الوطني، فعلى سبيل المثال، احتجز التنظيم أربعة أفراد في منطقة يكلا لأنهم كانوا متوجهين للانضمام للجيش وبث تسجيلا لإعدامهم في 11 سبتمبر/أيلول 2018.

في السياق، لا يبدو أن علاقة الحوثيين بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب تتمتع بنفس القدر من الاستقرار، غير أن الحوثيين يميلون إلى تجنب استهدافه مركزين على الحفاظ على الهدوء. إجمالا، تتواجد معسكرات القاعدة وداعش في المناطق المهجورة من البيضاء وتحديدا في السلاسل الجبلية الرابطة بين محافظات أبين والبيضاء وشبوة، كما يتواجد تنظيم القاعدة بشكل محدود في مديرية ولد ربيع. هناك فارق جوهري بين كل من القاعدة وداعش في المحافظة، حيث ينتمي بعض عناصر القاعدة لأبناء قبائل المحافظة، ما ساعد التنظيم على الاندماج في النسيج الاجتماعي، أما داعش ذو المعتقدات المتشددة فإن معظم أعضائه من غير اليمنيين، ما جعل أبناء المحافظة يتعاملون معهم على أنهم غرباء، وبالتالي شهدت علاقتهم توترا شديدا ومنتظما مع القبائل.

تنقسم محافظة البيضاء بشكل ضمني وغير رسمي الى كتلتين: واحدة تتمحور حول مدينة البيضاء ومحيطها، والأخرى حول مدينة رداع ومحيطها. خصوصية رداع هي أنها تشكل أحد خطوط التماس المذهبية في اليمن، إذ أن قبائلها تنتمي للمذهب السني بينما تنتمي القبائل المجاورة لها في محافظة ذمار إلى المذهب الزيدي. هذا لا يعني بالضرورة أن القبائل متدينة ولكن لديها شعور قوي بالهوية الدينية التي تشكل جزءا منها نتيجة غزوات الأئمة الزيديين للبيضاء. وخُلدت نتائج هذه الغزوات المريرة في زوامل قبائلها وذاكرتها الجمعية.

وبالتالي، تعتبر محافظة البيضاء بيئة معادية للحوثيين أكثر من غيرها، باعتبارهم في نظر أبنائها امتدادا لفكر الأئمة. وباستثناء بعض التجمعات السكانية ذات الهوية الهاشمية مثل ريام في محيط رداع وآل السقاف في السوادية، فإن معظم السكان ليس لديهم أي شيء مشترك مع الحوثيين، وعلى العكس هناك تاريخ من العداء تجاه الحكام الزيديين وسياسة الإخضاع القسري للقبائل المصاحب لحكمهم.

ومن الجدير بالذكر أنه بمجرد إسقاطهم صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وبينما كانوا لا يزالون على توافق مع الرئيس عبد ربه منصور هادي، فقد زحف الحوثيون إلى البيضاء للسيطرة عليها قبل التوجه إلى عدن أو تعز أو الحديدة أو أي محافظة أخرى. إن وضع الحوثيين لمحافظة البيضاء كأولوية عسكرية لا يفصح فقط عن أهمية المحافظة الاستراتيجية بل يشير أيضاً إلى إدراك الحوثيين لتاريخ البيضاء الموسوم بالتمرد على المركز وعلى عدائها المستمر تجاههم. وبالتالي كان إخضاع البيضاء أولوية بالنسبة لجماعة الحوثيين التي تحالفت مع السيف القبلي الذي قاتل مع الإمامة ضد الجمهورية وظل في السعودية لفترة طويلة بعد الحرب الأهلية بين الملكيين والجمهوريين.

أهمية البيضاء في حماية مأرب

تدور المعارك حاليًا في البيضاء، وتشمل منطقة قانية في مديرية ردمان آل عواض المجاورة لمحافظة مأرب. اندلعت هذه المعارك عام 2018 وازدادت حدتها ووتيرتها مؤخرا منذ أن بدأت قوات الحكومة بالتقدم بشكل بسيط على هذه الجبهة في أبريل/نيسان. تزامن هجوم القوات الحكومية مع ضغط قوات الحوثيين على الخطوط الأمامية في مأرب ضمن استراتيجية للتخفيف من اندفاع الحوثيين نحو مأرب بإشغالهم في قانية.

كما تدور المعارك أيضاً في منطقة آل حميقان في مديرية الزاهر المجاورة لمحافظة لحج، وفي مديرية مكيراس المجاورة لمحافظة أبين. تشبه المعارك المستمرة ضد الحوثيين منذ عام 2015 في منطقة آل حميقان حرب العصابات أكثر من كونها مواجهة عسكرية شاملة. وهناك هدوء حذر ومتقطع في منطقة قيفة وتحديدا في محيط يكلا.

بشكل عام، فقد فشلت الحكومة حتى الآن في تحقيق أي اختراق كبير في معارك البيضاء، إذ ليس لديها استراتيجية لحشد القبائل ضد الحوثيين ودفعهم للتمرد عليهم. وهذا أمر يعود لأسباب عدة أهمها عدم ثقة القبائل بالحكومة والتحالف والتزامهما بتأمين دعم حقيقي لها، وبالتالي تركها لمواجهة الحوثيين وحدها.

تهدد التطورات الأخيرة بين الحوثيين وقبيلة آل عواض بانفجار الوضع واندلاع تمرد قبلي. ظهر التوتر الأخير بين الطرفين، وهو الثاني بعد توتر سابق عام 2018، نتيجة قتل الحوثيين جهاد الأصبحي -امرأة من قبيلة مجاورة لآل عواض- خلال اقتحامهم منزلها في أبريل/نيسان. أثار مقتل الأصبحي غضبا وتوترا شديدين، ففي المجتمع اليمني وبحسب الأعراف القبلية، يعتبر قتل النساء أمراً معيباً يستوجب تحقيق العدالة بأي ثمن.

استنجدت عائلة الأصبحي بآل عواض لنصرتها لتحقيق العدالة. وحفزت هذه القضية الدعوة للتمرد ضد الحوثيين، وهو التمرد الذي فشل التحالف والحكومة في خلقه بينما جلبه الحوثيون على أنفسهم. وتشكل هذه القضية الفرصة الأفضل لتغيير المعادلة في البيضاء وخلق تحدٍ حقيقي لسيطرة الحوثيين فيها.

يبدي الحوثيون ليونة غير معروفة عنهم -التفاوض بدلاً من لجوئهم المعتاد إلى العمل العسكري لحسم التوتر بسرعة- في التعاطي مع هذه القضية لأكثر من سبب. أولا، هذه القضية تجعلهم مكشوفين اجتماعياً بما أن قتل النساء يعتبر انتهاكاً جدياً للأعراف في المجتمع القبلي. وثانيا، يحتاج الحوثيون إلى إبقاء الوضع هادئا في محافظة البيضاء، إذ أن أهميتها الاستراتيجية أهم من أي استعراض مؤقت لفرض الهيبة والسطوة. لم يشهد شهر مايو/أيار أي تطورات كبيرة فيما يتعلق بمقتل الأصبحي حيث ما زالت الوساطات القبلية بينآال عواض والحوثيين مستمرة للتوصل إلى تسوية أو على الأقل تأجيل أي صدام.

اندلاع تمرد قبلي في مواجهة الحوثيين أو نجاح الحكومة في التقدم من أطراف البيضاء إلى قلبها لا يبدو مضموناً، ولكن المؤكد هو أن الحوثيين لا يريدون المجازفة أبداً بخسارة هذه المحافظة. بالنسبة للحكومة، فإن السيطرة على البيضاء ستشكل نقطة تحول في الصراع. تطل البيضاء على محافظة ذمار جنوب صنعاء، وبالتالي إذا نجحت الحكومة في السيطرة عليها فستتمكن من الضغط على خطوط إمداد الحوثيين -وربما قطعها- المتجهة نحو جبهاتهم في إب وتعز والضالع. كما تؤدي السيطرة على البيضاء إلى منح قوات الحكومة مسارا مباشرا للالتحام بجبهة دمت في محافظة الضالع والضغط على قوات الحوثيين هناك، وتحرم الحوثيين من فرصة ممارسة أي تهديد على محافظتي شبوة وأبين الجنوبيتين.

يمنح موقع البيضاء الاستراتيجي الفريد الطرف المسيطر عليها مفاتيح التصعيد والتهدئة في الجبهات المفتوحة على ثمان محافظات مختلفة. ولكن كما يعلم الطرفان، فإن السيطرة عليها تستلزم وجود استراتيجيات تأخذ المصالح القبلية بعين الاعتبار.

نشرت المادة في موقع مـركـز صنعاء للدراسات الإستراتيجية

ماجد المذحجي، مؤسس مشارك، والمدير التنفيذي لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ويغرّد على MAlmadhaji@.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 15-أغسطس-2020 الساعة: 08:35 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.maonah.org/maonah/news-942.htm